مقالات

المنطق الاقتصادي في القرآن الكريم

19 أكتوبر, 2011 - 11:52 AM


بالرغم من أن الاقتصاد علم يُعنى بالأمور الدنيوية والمالية، إلا أن القرآن الكريم قد استخدم المنطق الاقتصادي والمصطلحات الاقتصادية في أبعد الأمور عن الشؤون الدنيوية، وذلك في مجال الآخرة والجنة والنار والهداية والضلال، كما في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾، وقوله: ﴿أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون﴾، وقوله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة﴾، وقوله: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾، وقوله: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور﴾، وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟ تؤمنون بالله ورسوله﴾ الآيات، وغيرها. وقد ورد في السنة كثير من النصوص بنفس المعنى، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة"، وقوله عليه السلام: "إن من أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه"، وقوله: "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته"، وقوله: ‏"أتدرون من المفلس؟" قالوا المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، فقال ‏صلى الله عليه وسلم: "‏المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته، ويأتي قد شتم هذا ‏وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن ‏‏يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار"، وغيرها. وهذه النصوص من الكثرة والاطراد بما يترجح معه أن هذا الاستعمال ليس على سبيل الاستعارة أو التشبيه، بل هو على سبيل الحقيقة. والمعنى الذي يجمع بين الأمرين هو وجود التعارض بين المصالح المختلفة، مما يستلزم الموازنة والمفاضلة بينها. هذه الموازنة تقتضي في النهاية المبادلة بين المصلحتين المتعارضتين، وهذه المبادلة (trade off ) هي جوهر النظرية الاقتصادية. وإذا كان القرار الرشيد يستلزم الموازنة والمفاضلة بين المصالح المتعارضة، فالمنطق الاقتصادي يحدد عناصر المفاضلة ومعاييرها من أجل الوصول للنتيجة الأكثر رجحاناً. وهذا يبين تأكيد القرآن الكريم على عقلانية القرار الصحيح، بأن يكون على وفق الموازنة السليمة بين المصالح والمفاسد، أو بين المكاسب والخسائر، وليس على وفق الهوى أو التقليد الأعمى. ويلاحظ أن استخدام المنطق الاقتصادي يقتصر على المفاضلة في الحياة الدنيا. أما في الآخرة فلا يوجد ثمة بيع ولا شراء، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾. والسر والله أعلم هو طبيعة الآخرة التي تنتفي فيها القيود التي هي منشأ التعارض بين المصالح ابتداء، وفي هذه الحالة لا يوجد ما يستدعي المبادلة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن في الجنة سوقاً، لكن ورد بأسانيد ضعيفة أن هذه السوق ليس فيها بيع ولا شراء، بل ما رغبه الواحد من أهل الجنة حصل له فوراً. وهذا يتفق مع سائر النصوص التي تبين انتفاء أي قيود على رغبات أهل الجنة، ومن ثم عدم الحاجة للتبادل أساساً. والحاصل أن القرآن الكريم وظف المنطق الاقتصادي لدعم القرار المتعلق بالموازنة بين مصالح الدنيا ومصالح الآخرة عند التعارض. وبذلك يكون القرآن قد رفع من شأن المنطق الاقتصادي أكثر بكثير مما تضعه فيه الرأسمالية المعاصرة. فالرأسمالية تحصر المنطق الاقتصادي في الأمور المادية الدنيوية، وتلغي أي اعتبار للقضايا الأخروية أو الأخلاقية، أو تجعلها على أحسن الأحوال تابعة للقضايا الدنيوية. وهذا يجعل دائرة المنطق الاقتصادي ضيقة من جهة، ومادية بحتة من جهة أخرى. أما القرآن فهو يحافظ على جوهر المنطق الاقتصادي السليم، لكنه يوسع نطاقه بما يشمل المصالح الدنيوية والأخروية. فهو بذلك يحترم المنطق الاقتصادي أكثر من الرأسمالية. والحمد لله رب العالمين.

    لا يوجد تعليقات